يحيي بن حمزة العلوي اليمني
53
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
فإنه لا دلالة فيه على كون اللفظ مجازا ولا حقيقة ، وأما ثانيا : فلأنه ليس بأن يدل قولنا أوامر على كون الأمر حقيقة في القول بأحق من أن يدل على كونه مجازا ، ولا قولنا أمورا في العقل بأن يدل على كونه مجازا أولى من أن يكون حقيقة ، بل نقول دلالة قولنا أوامر على كونه مجازا أحق من دلالته على كونه حقيقة لأن جمع أمر على أوامر على خلاف القياس ، فلهذا كانت دلالته على المجازية أحق ، وجمع أمر على أمور جار على القياس ، فكانت دلالته على كونه حقيقة أولى ، فبطل ما توهمه . ورابعها : أن المعنى الحقيقي إذا كان متعلقا بالغير فإذا استعمل فيما لا تعلق له بشئ كان مجازا ، وعلى هذا لفظ القدرة إذا أريد به الصفة القادرية كان لها متعلق وهو المقدور ، وإذا أطلق على إتيان الحسن لم يكن له متعلق فيعلم كونه مجازا ، وهذا فاسد أيضا لاحتمال أن يكون مقولا بالاشتراك عليهما فيكون حقيقة فيهما ، لكن اتفق أن له بحسب أحد الحقيقتين متعلقا دون الأخرى ، فهذه زبدة ما عوّل عليه الشيخ أبو حامد الغزالي في هذه الفروق الفاسدة ، وكأنه إنما أتى له الفساد من جهة تعويله على أمور عامة ليست صالحة للتفرقة ، فلهذا بطل ما عول عليه . خيال وتنبيه فإن قال قائل : هلّا أوردتم من جملة الفروق الفاسدة بين الحقيقة والمجاز الكلام في التعريفات الفاسدة التي حكيتموها عن الشيخ أبى عبد الله البصري ، وعبد القاهر الجرجاني ، وأبى الفتح ابن جنى وغيرهم من علماء الأدب وعددتموها من جملتها فإن من أخطأ في تعريف الماهية أخطأ لا محالة في التفرقة بينهما ، فكان ينبغي عدها من جملة الفروق الفاسدة ؟ « والجواب » من وجهين ، أما أولا : فلأن الكلام في تعريف الماهية بمعزل عن الكلام في التفرقة بين الأمرين فلا يمزج أحدهما بالآخر ، لأن الكلام في التعريفات إنما هو كلام في الماهية ، ومعرفة الذات والكلام في التفرقة إنما هو كلام في الأحكام ومعرفة الخصائص ، فأحدهما مخالف للآخر كما ترى . وأما ثانيا فلعلهم يذهبون معنا إلى القول بالفروق الصحيحة ، وإن ذهبوا إلى تعريفهما بالتعريفات الفاسدة كما حكيناه عنهم ، فخطأهم في التعريفات الفاسدة لا يكون خطأ في الفروق لانحراف أحدهما عن مقصد الآخر فظهر لك مما ذكرناه أن أحدهما مخالف للآخر .